وكأن تحوّلًا لافتا صدر عن قرار في القاهرة دفع إلى “افتعال” مناسبة لما أدلى به وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي معلناً أنّ “مصر جاهزة لتقديم كل الدعم للسعودية، بما في ذلك الدعم العسكري”. أدلى الرجل بموقفه من تايلاند. الثلاثاء، مُبلِغاً الرياض، ومن يهمه الأمر (ربما في واشنطن)، بالجهوزية المصرية، وصولاً إلى الحدود القصوى. ولئن بدا ذلك “الافتعال” وحياً يوحى، فإنّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشخصه حسم الجدل من القاهرة، السبت، بقرار حازم يستدعي اجتماع البرلمان اليوم وبشكل طارئ، وهي خطوة تحصل للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث.
أعراض القرار الرئاسي ظهرت قبل أيام، في مقابلة أجراها الوزير المصري مع شبكة “بلومبرغ”، على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي في بانكوك. واستنتج المراقبون بسهولة أن تصريح الوزير لم يكن مجرد تكرار لتصريحات سابقة عن التضامن والأخوّة والالتزامات، واشتبهوا في أن تكون المقابلة قد أُجريت مع هذا المنبر الإعلامي الأميركي بالذات، بطلب من عبد العاطي، ليدلي بمواقف عاجلة وغير مسبوقة منذ بدء الصراع اليمني عام 2015.
النقاط القرارات
قبل أن يطلّ السيسي للإدلاء بقرار مصر كان الوزير كشف الأعراض الأولى لتحوّلات القاهر:
1-استعداد مصر للاستجابة لأي طلب سعودي، بما في ذلك الدعم العسكري، من دون أي تحفظ.
2-قوله: “أيًّا كان ما ستطلبه السعودية، سنلبّيه بالطبع”.
3-التأكيد أنّ الأمن القومي السعودي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي.
4-الإدانة الكاملة للهجمات على الأراضي السعودية، والتأكيد أنّ مصر لا تقبل بها وتقف بثبات إلى جانب المملكة.
5-الإشارة إلى أنّ انضمام مصر إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك يخضع لدراسة جادة من الجانب المصري.
6-استمرار تقديم أشكال مختلفة من الدعم والتضامن للسعودية بشأن اليمن، من دون إعلان تدخل مباشر وفوري.
اختصر الرئيس المصري في خطاب السبت الاستثنائي الديباجات المطوّلة. قال إنّ “مصر لن تسمح بالمساس بأمن السعودية، وطبقاً لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ستنفذ أي إجراء لحماية المملكة والدفاع عنها”. وإذ أعلن في خطابه أنّ الأمر يحتاج إلى تصويت البرلمان، فإنّ عجالة وإرادة استدعت عقد جلسة خلال ساعات.
يجدر فهم التحوّل المصري وسرعته في سياق تصعيد حوثي استهدف العمق السعودي بشكل مباشر، ولا سيما الضربات المتكررة على مطار الملك خالد، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 12 إلى 18 شخصًا وإصابة مئات، مع إغلاق المطار مؤقتاً. غادرت الحرب حدودها الجغرافية اليمنية وانتقلت إلى استهداف منشآت مدنية داخل المملكة، فغادرت مصر موقفاً لطالما اتّسم بالتأني والحذر والتوازن. والأرجح أنها أدركت في ظل ما يصيب المملكة صعوبة الاستمرار في انتهاج حيادها النسبي.
حسابات القاهرة وتوقيتها
للقاهرة حساباتها وتوقيتها، لكن ذلك لا يمنع أنها لاحظت أنّ المجتمع الدولي يشهد تحوّلاً لافتاً ومتدرجاً في موقفه من الصراع. يلتحق الموقف المصري المستجد بالتحرك السعودي والتركي والباكستاني لتفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك (عقد اجتماع في الخامس من هذا الشهر)، والانتقال إلى تنفيذ التزامات الدفاع الجماعي، بما يشمل توفير قوات ودفاعات عسكرية ونشرها داخل المملكة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب غادر أيضاً موقفه السابق. كان “سعيدًا” بالإعلان عن تفاهمات مع الحوثيين تقي السفن الأميركية شرور الجماعة، غير آبه، وفق ما أعلنه، بأن تقتصر تلك الشرور على السفن السعودية. لكنه اكتشف قبل أيام أن الجماعة “تسيء السلوك”. تواصلَ مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ملمّحاً إلى قرار لم تتضح تفاصيله بعد، فُهم منه ترجيح لانخراط عسكري أميركي ضد الجماعة، بعد النأي بالنفس والتحفّظ.
غادرت لندن وباريس وبرلين وغيرها من العواصم، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، مواقفها الرمادية. ظهر تحرّك واضح على المستويين السياسي والعسكري لدعم الرياض والحكومة الشرعية في اليمن، من خلال الدفع بموارد عسكرية فرنسية وبريطانية للدفاع عن المملكة، وتوسيع نطاق عملية “أسبيدس” الأوروبية. وهي عملية عسكرية بحرية دفاعية أطلقها الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير/شباط 2024 لحماية الملاحة التجارية وضمان حرية المرور في البحر الأحمر، وخليج عدن، ومضيق باب المندب، ومضيق هرمز، والخليج العربي.
الانضمام إلى منظومة الدفاع؟
صحيح أن للمستجد المصري أسبابا مصرية، لكنه، في توقيته، يأتي متزامناً مع مشهد إقليمي ودولي يتحرك صوب الاتجاه نفسه. يأتي الموقف المصري بوصفه الأكثر حزماً وحسماً ووضوحاً منذ زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 أيلول الماضي. أكدت مصر آنذاك أنّ أمن السعودية جزء من أمنها القومي، ورفضت أي اعتداء على سيادتها أو على حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
يعكس موقف القاهرة الجديد تحوّلاً في حساباتها، بلغ حد الابتعاد عن مقاربة مترددة بشأن اتفاقية مكة، باتجاه دراسة الانضمام إلى منظومة الدفاع الجماعي الناشئة، التي تضم السعودية وتركيا وباكستان.
كاد الوزير عبد العاطي أن يبالغ، من خلال نبرة تصريحه، في الحدود التي قد تذهب مصر إليها، بتأكيده “الاستجابة لأي طلب سعودي، بما في ذلك الدعم العسكري”. في المقابل، ظلت التقديرات الأولية للمراقبين العسكريين ترجّح أن يبقى أي دعم مصري محدود الحجم ومقيّد الطبيعة، وأن يميل إلى الطابع الدفاعي أو المساند أكثر من كونه مشاركة برية هجومية داخل الأراضي اليمنية. كانت مصر تجنبت هذا الخيار منذ عام 2015، ولا يُتوقع أن ترسل قوات برية كبيرة أو تنفّذ عمليات داخل اليمن.
حماية الملاحة واعتراض الصواريخ
مع ذلك، تتمثل المساهمة المحتملة في تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر لحماية الملاحة، والمساهمة في اعتراض الصواريخ والمسيّرات، وتقديم دعم استخباري وجوي محدود. وتكمن المفارقة في أن مصالح مصر الحيوية في باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس تدفعها إلى دعم الرياض لمنع اضطراب الملاحة، لكن هذه المصالح نفسها تخفف من اندفاعة مصر الحريصة على تجنّب أن تصبح هدفاً مباشراً للحوثيين.
قالت مصر كلمتها. لكن حجم أي دعم عسكري وطبيعته يظلان مرتبطين بتطورات الصراع. تتموضع مصر بما ينسجم مع تحرّك إقليمي ودولي جماعي، ليس من مصلحة القاهرة أن تبقى خارجه. ثم إن في حسابات مصر أن التحوّلات الجارية أو المرتقبة، سلباً أو إيجاباً، ستنعكس مباشرة على مصالحها في البحر الأحمر وقناة السويس والقرن الأفريقي. وفي حسابات المصالح، يتعيّن على دولة إقليمية كبرى مثل مصر أن تنخرط في ما سيحدد موقعها في موازين الأرباح والخسائر.
ينطلق المستجد المصري من وعي قديم بما يمثله العمق الإقليمي من تأثير مباشر على الأمن الاستراتيجي المصري. وحين يصبح العمق السعودي مهدداً، يدخل العمق المصري بدوره دائرة الخطر. والمعادلة ليست شعاراً شعبوياً، بل حقيقة استراتيجية راسخة لا تخطئها مداولات الغرف المغلقة في عواصم القرار، ومنها تلك الغرفة في القاهرة. وجب هنا تأمل توضيح الرئيس المصري للبعد الاستراتيجي لهذا التحوّل: “نحن لا نبحث عن دور، لكن ليس معقولاً أن نسمح بالمساس بالسعودية واستقرارها”.
